بسم الله الرحمن الرحيم
نحمدك اللهم أن وفقتنا سواء السبيل، فأنت نعم المولى ونعم النصير، ونصلي ونسلم على حبيبك الأعظم المبعوث رحمة للعالمين، ومنقذاً للإنسانية، وهادياً للبشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القدوة المثلى والأسوة الحسنة، وعلى آله وأصحابه الذين زكوا أنفسهم فأفلحوا، ونصحوا إخوانهم فنفعوا ؛ اللهم أكرمنا بكرامتهم، ووفقنا لهديهم، وألحقنا بهم، واجمعنا معهم تحت لواء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنك أكرم مسؤول وخير مأمول. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
اخوتى واحبابى فى الله تعالى ...احباب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ان علوم التصوف علوم ذات مذاق ؛ تدرك بالذوق ولا تقرأ بالإحداق؛ وهى علوم ارق من علوم النقل؛ وارقى من علوم الشرع؛ لأنها علوم الأصفياء حين صفاء؛ وخوطر الانقياء فى نقاء من نقاء؛ كما يستقطر الماء المقطر من صفى الماء.
ومن هنا ترى آخى -رحمك الله واياى وكل المسلمين- ان المقصود من العباده هو الجوهر وليس المظهر وان الوقوف عند ظاهر الشريعه ليس هو مقصود العباده بل المقصود ابعد من ذلك وهى القربى الى الله وهو ما يطلق عليه الصوفيه (الوصول)
الثصوف هو حليه الأولياء؛ وطريق الأتقياء؛ وشعار الأصفياء؛ وحسبك ان علماء الأمة الذين يؤخذ منهم الحلال والحرام قد لقروا طريق الساده الصوفيه ومدحوه واثنوا عليه؛ فهذا هو الأمام مالك يقول قولته الشهيره ( من تصوف ولم يتفقهه فقد تزندق؛ ومن تفقه ولم بتصوف فقد تفسق؛ ومن جمع بينهما فقد تحقق)؛ وانظر الى الأمام الشافعى رضى الله عنه تاصحا تلاميذه فيقول:
ففقيها وصوفيا فكن ليس واحدا ========== فأنى وحق الله إياك انصح
فذلك قاس لم يذق قلبه تقى ======== وهذا جهول كيف ذو الجهل يصلح
وكان الامام احمد بن حنيل يحضر مجالس الصوفيه ويسمع منهم؛ وكان يسأل ابى حمزه البغدادى ويقول له : يا صوفى ما رأيك فى مسألة ...كذا وكذا ؟؟ فيرد عليه ويجاوبه.
وقال الأمام الغزالى رحمه الله : لو جمعت حكمه الحكماء وعلم العلماء وفقه الفقهاء ما خرج عما يقوله الصوفيه قيد انمله.
وقال الأمام الشاذلى رحمه الله: من لم يتغلغل فى علمنا هذا مات على الكبائر.
يقول الشيخ صلاح التيجانى صاحب كتاب الكنز : اعلم انه لا تصوف الا بفقه؛ اذا لا تعرف احكام الله الا بوحى ظاهر؛ ولا تصوف الا بعمل طاهر؛ فالشريعه لاصلاح الظاهر ؛ والتصوف من اجل طهاره الباطن.
ويعرف الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى
التصوف فيقول: “التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك بالأخلاق زاد عليك بالتصوف”.
قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: (عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريقَ الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين.)
ويجل ان نعلم – اخى فى الله واياى معك- إن الصوفية أرباب أعمال وأحوال لا أرباب دعاوي وأقوال، فما أسهل الكلام والتعليم، وما أصعب العمل والتطبيق!
فاذا كنت أخذا العلم من احد فانظر ممن تأخذ؛ فلا تأخذه من أفواه المدعين والمشعوذين؛ وانما خذه من قلوب الصالحين العارفين.
وقال بعض العارفين: (العلم روح تُنفخ لا مسائل تُنسخ، فلْيَنْتبه المتعلمون عمن يأخذون، ولْيَنْتبه العالِمون لمن يُعطون).
وقد أشار الجنيد رحمه الله لذلك بقوله (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال، وإنما أخذناه عن الجوع والسهر وملازمة الأعمال). أو كما قال. وعنه عليه الصلاة والسلام (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم). وقال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: (إذا اعتادت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت، ورجعت إلى صاحبها بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما). ومن هنا يجب ان نفهم ايضا ان التصوف متمم للتشرع وكلاهما كالبنيان الذى يكون أساسه وهيكله الشريعه التى عمادها الكتاب والسنه وبنائه وفرشه الحقيقه التى هى مراد التصوف. فلا يقف بناء بلا أساس وأعمده ولا يسكن ويستوطن بيت بغير فرش وأمتعه.
واخبرنا مشايخنا قديما وحديثا ان الحقيقه لا تنفك عن الشريعه قيد أنمله، فكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة، وكل طريق يخالف شرع الله فهو طريق الفسقه؛ واعلموا احبابى - وانا معكم -أن الشريعة حق العبودية، وان لا عبوديه الا بشريعه؛ وان الحقيقة هي ثمره العبودية، ومن صار من أهل الحقيقة تقيد بحقوق العبودية ويزيد؛ وهذا وربى هو الصوفي الرشيد.
ومن مظاهر الادعاء فى المجتمع الصوفى – على مر العصور- رجال تكلموا بلسان أهل الحقيقه وادعوا إنهم يتلقونها من الملأ الأعلى؛ وان ما يلقونه فيض من الفيض الاسنى؛ وهم لا يعلمون من ظاهر الشريعه الا النذر اليسبر؛ ولا يقتدون بسنه الهادى البشير؛ وهذا وربى ليس شيم العارفين؛ ولا صفه الواصلين؛ ولا منازل السالكين المحققين. فلا يخدعنا منهم زخارف الاقوال؛ ولا تنطلى علينا ما يدعونه من الاحوال. ولو كانوا من العارفين لصانوا أحوالهم عن كلام الناسكبن؛ ولضنوا بعلومهم عن الغافلين من عوام المسلمين.
ولقد كان لهذه العلوم رجالها الذين عرفوا مقدارها وصانوا فى الجوانح أسرارها؛ ولم يبوحوا بها إلا لمن هم أهلها؛ وما وردت عنهم إلا رغما منهم.
اسمع الى قول ابن الفارض رحمه الله؛ وهو سلطان العاشقين وأمام المحققين حيث يقول: وعنوان شانى ما أبثك بعضه -------- وما تحته إظهاره فوق قدرتى
وامسك عجزا عن أمور كثيره ----- بنطقى لن تحصى ولو قلت قلت
انظروا رحمكم الله الى قوله (لو قلت قلت) كنايه عن ان النقص فى البوح والعصمه فى الكتمان..... ويقول أيضا تقدس سره معلنا إخفاؤه علومه بين جوانحه: ولما أبت إظهاره لجوانحي ............ بديهه فكرى صنته عن رويتي
وبالغت فى كتمانه فنسيته............... وأنسيت كتمى ما إليه أسرت
وقال رضى الله عنه ناصحا من هم على دربه من العارفين بربهم: وما عنه لم تفصح فانك أهله ====== وأنت غريب عنه ان قلت فاصمت
وفى الصمت سمت عنده جاه مسكه ==== غدا عبده من ظنه خير مسكت
و في ذلك يقول الشاعر سأكتم علمي عن ذي الجهل طاقتي==== ولا أنثر الدر النفيس على البهـم
فـإن قـدر الله الكريـم بلطفـه========= ولاقيت أهلا للعلـوم و للحكـم
بذلت علومي و استفدت علومهـم======= وإلا فمخـزون لـدي و مكتتـم
فمن منح الجهال علمـا أضاعـه====== ومن منع المستوجبين فقـد ظلـم
و قال علي كرم الله وجهه: حدث الناس بقدر ما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله و رسوله، و قد كان الجنيد رضي الله عنه يسأله الرجلان، فيجيب هذا بخلاف ما يجيب هذا، فقال: الجواب على قدر السائل. قال صلى الله عليه و سلم: أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقو
و قال رجل لبعض العلماء و قد سأله فلم يجبه: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:" من كتم علما نافعا ألجم يوم القيامة بلجام من النار" فقال العالم: اترك اللجام و اذهب، فإن جاء للعلم من يستحقه و كتمته فليلجمني به. و قال الروذابادي رحمه الله: علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة خفي، و قال الإمام الغزالي: قد تضر الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالورد و المسك. ووضع الشيخ العلامه والصوفى الشهير مولانا/ زروق رحمه الله اكثر من 200 من القواعد لأهل التصوف وعلمائه فى كتابه القيم (قواعد التصوف) نورد منها الأسس الاتيه:
* الصوفي من عامل الحق بالحقيقة والخلق بالشريعة
* على المتكلم في العلم أن يلحق فروعه بأصوله، ويصل معقوله بمنقوله
* صوفي الفقهاء أكمل من فقيه الصوفية
* لا تجعل لأحد من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن
* غلاة المتصوفة كغلاة الأصوليين والمتفقهين
* التقليد بأخذ القول من غير استناد لعلامة في القائل مذموم مطلقا
* لا يُقبل في باب الاعتقاد موهم ولا مبهم ولا يسلم لأحد فيه ويستوي في ذلك الصوفي والفقيه
* التوقف في محل الاشتباه مطلوب ومبنى الطريق على ترجيح الظن الحسن وإن ظهر معارض
* كمال العبادة بإقامة حدودها الظاهرة والباطنة ومن غير غلو ولا تفريط
* استواء الفعل والترك في المنفعة يقضي بترجيح الترك لأنه اسلم
* ليس من شان الصوفي تعظيم الخلق بوجه ولا بحال* من أراد الظهور فهو عبد الظهور ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء* مراعاة اللفظ لتوصيل المعنى لازم كمراعاة المعنى في حقيقة اللفظ* الذوق علمه مقصورٌ على ذائِقِه* وجوب تحفظ الصوفي على إقامة رسم الطريقة بترك ما يريب ويعيب* كثر المدعون في هذا الطريق لغربته، وبعد الإفهام عنه لدقته
* لا يصح التصوف بدون فقه* حفظ الأديان مقدم على حفظ الأعراض في الجملة* اتباع العلم الظاهر شرط في الوصول للعلم الباطن ومما اعجبنى فى نهايه كتابه قوله رحمه الله : على العاقل أن يكون له أربع ساعات:ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يبصرونه بعيوبه، ويدلونه على ربه، وساعة يخلي فيها بين نفسه ومصالحه المباحة، أو كما قال. رزقنا الله ذلك، وأعاننا عليه، ووفقنا إليه، وصحبنا بالعافية فيه. فإنه لا غنى بنا عن عافيته وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما، والحمد لله رب العالمين. المراجع1- المنن الكبرى" للشعراني 2- قواعد التصوف للشيخ رزوق.3- الكنز لصلاح الدين التيجانى4- حقائق عن التصوف .عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى5- الفتوحات الالهيه لابن عجيبه6- الامام السهروردى : عوارف المعارف (باب من انتسب الى الصوفيه وليس منهم)7- الامام ابن القيم: مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعسن8- الامام الغزالى: احياء علوم الدين9- ابن الجوزى: تلبيس ابليس10- ديوان ابن الفارض قدس الله سره11- الانمام القشيرى: الرسالة القشيرية12- شبكه النت العالميه