الهوارى مراقب عام المنتدى
| موضوع: ابتلاءات نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلام الإثنين أكتوبر 22, 2012 5:33 pm | |
| بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الفضل والامتنان والإحسان, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أفضل من قام بشرائع الإسلام، وأفضل من حقق الإيمان، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أيها الناس: اتقوا الله عز وجلَّ واعرفوا أنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلاة والسلام, وفي مقدمتهم: نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ فإنه من أولي العزم عليه أفضل الصلاة والسلام وقد حصل له من الابتلاء والامتحان ما ظهر به صدقه وإيمانه بالله رب العالمين، فقد جاهد في الله حق الجهاد نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلام ينكر على قومه عبادة الأصنام ففي أول أمره عليه أفضل الصلاة والسلام لما عرف الله حق المعرفة, وعرف أن قومه على غير حق, وأنهم ضالون بعبادتهم الأوثان من دون الله, عزم وشمَّر عن ساعديه مستعيناً بالله الحي القيوم على تدمير الأصنام التي يعبدونها من دون الله. إبراهيم فرد واحد قام بأمر عظيم بإنكار المنكر وهو: تكسير الأصنام التي يعبدها قومه من دون الله, فوثب عليه قومه وصارت المخاصمة والمناظرة بينه وبين القوم، ولكن الله عز وجلَّ أخبر أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا, فكل من قام بأمر من أمور الله، يريد بذلك إعلاء كلمة الله, ونصرة دين الله؛ فإن الله ينصره لا محالة؛ لأن الله جلَّ وعلا لا يخلف الميعاد. نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلاميلقى في النار قد نصر الله إبراهيم -عليه السلام- بحجته الظاهرة، فلجأ القوم ينصروا ما هم عليه من السفه والطغيان فكادهم رب العالمين جلَّ جلَّاله, وأعلى كلمته ودينه وبرهانه, كما قال تعالى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ )الأنبياء:68-70] وذلك أنهم انشغلوا جمع الحطب من جميع ما يمكن من الأماكن لمدة شهر؛ حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت نذرت لئن عوفيت لتحملن حطباً لحرق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة, فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأضرموا فيها النيران, فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط, ثم وضعوا إبراهيم -عليه السلام- في كفة منجنيق صنعه لهم رجلَّ من الأكراد يقال له: هيزل , وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم أخذوا يقيدون إبراهيم عليه السلام ويثبتونه بالحبال وهو في كفة المنجنيق يناجي إله الأولين والآخرين, ويستنصر برب العالمين, "لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الشكر لا شريك لك", هكذا كان نداءه عليه السلام وهم يقيدونه بالحبال ليلقوه في تلك النار العظيمة, فلا يزال أن يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين, لك الحمد ولك الشكر لا شريك لك، فلما ألقوه في النار اتصل بالحي القيوم الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء, قال: "حسبي الله ونعم الوكيل", الكلمة التي قالها رسول الهدى محمد بن عبد الله إيماناً بالله، واقتداءً بالخليل عليه السلام لما قال له الناس: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ )آل عمران:173-174 فاقتداءً بإبراهيم عليه السلام قالها محمد صلى الله عليه وسلم, فإبراهيم عليه السلام، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال بعض السلف : "عرض جبريل لإبراهيم وهو في الهواء فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ -يقولها جبريل الذي له ستمائة جناح أعظم الملائكة خلقاً, يقول له الروح الأمين: ألك حاجة يا إبراهيم؟- فقال: أما إليك فلا. حسبي الله ونعم الوكيل. قال ابن عباس رضي الله عنها: - إن ملك المطر قال: متى أؤمر فأرسل المطر ليطفئ النار عن إبراهيم -, ولكن أرحم الراحمين، إله الأولين والآخرين، الذي بيده أزمّة الأمور، الذي إذا قال للشيء: "كن" فيكون، قال: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ )الأنبياء:69 صدر المرسوم الملكي الذي لا يعارض ولا ينازع: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ )الأنبياء:69 التوقيع من جبار السماوات والأرض, فخمدت تلك النار يقول سيدنا الإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: أي: لا تضريه
وقال بعض المفسرين: لولا أن الجبار جلَّ وعلا قال: (وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) الأنبياء:69 لآذى إبراهيم بردها. بعد هذا المرسوم الكريم: ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) الأنبياء:69 كيف صار إبراهيم؟ صار إبراهيم في مثل: الجوبة، حوله الناس وهو في روضة خضراء, والناس ينظرون إليه لا يستطيعون الوصول إليه وهو لا يخرج إليهم. ويروى أن الطاغية الخبيث أبو إبراهيم لما نظر إلى إبراهيم في تلك الروضة، قال: نِعَمْ الرب ربك يا إبراهيم. ويُروى أن إبراهيم عليه السلام مكث في المكان الذي ألقي فيه أربعين أو خمسين يوماً، فإنه قال: ما كانت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشتي وحياتي كلها مثل ذلك إذ كنت فيها. هذا نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلام نصره الله، إبراهيم فرد، قام بأمر الله فنصره الله, الله لا يخلف وعده, فمن صدق مع الله وأخلص النية لله, فإن الله قد أصدر مرسوماً ملكياً يقرأ منذ أربعة عشر قرناً: ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) غافر:51 قصة نبي الله سيدنا إبراهيم مع ولده نبي الله سيدنا إسماعيل
عليهما السلام
هاجر نبي الله سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لما غير المنكر، وكسَّر الأصنام، وأثابه الله بمثوبة عظيمة ظهرت على رءوس الأشهاد، وهي: إطفاء النار التي يوقدونها شهراً ولم يستطيعوا هم بأنفسهم أن يضعوه فيها إلا بواسطة المنجنيق؛ فأطفأها الله عز وجلَّ, وهاجر إبراهيم من بلاد قومه، وبنى البيت العتيق هو وإسماعيل عليهما السلام، حتى صار البيت العتيق مأوى يأوي إليه الناس, تلبية لنداء إبراهيم حيث أمره الله: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) الحج:27
هكذا من قام لله وقام بأمر الله بصدق وإخلاص نبي الله سيدنا إبراهيم عليه السلام يُومر بذبح ولده سيدنا إسماعيل عليه السلام لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه جلَّ وعلا أن يهب له ولداً صالحاً, فبشَّره الله تعالى بغلام حليم، وهو: إسماعيل عليه السلام, وهو أول ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمره. فلما بلغ معه السعي -أي: شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه- رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا -أي: إسماعيل- ورؤيا الأنبياء وحي، وهذا اختبار من الله عَزَّ وَجلَّ، الله أكبر!! سبحانك وبحمدك لا إله إلا الله (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ الأنعام:124! إنه يأمره بذبح ولده، وفلذة كبده إسماعيل الذي أتاه في تأخر من عمره، وهذا -كما قلت- اختبارٌ من الله عز وجلَّ لخليله بأن يذبح هذا الولد العزيز، الذي جاءه على كبر في السن! هل مانع إبراهيم؟لا. إنما امتثل أمر الله -عز وجلَّ- في ذلك, وسارع إلى طاعة مولاه. عرض ذلك على ولده إسماعيل ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسراً ويذبحه قهراً (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى )الصافات:102 ابتلاء عظيم!!
ابن ليس له غيره من الأبناء, وشب وترعرع وصار في طاعته, ثم أمر بذبحه إنها كبيرة جداً على النفس يا عباد الله! ولكن لا بد من طاعة المولى جلَّ وعلا، قال: (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ )الصافات:102] لا إله إلا الله! (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) الفرقان:74] ما أحلى الأولاد البارين! ما أحلى الأولاد الطائعين! ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) البقرة:201 قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى )الصافات:102 فبادر الغلام الحليم والده الخليل: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ ) الصافات:102 عباد الله! هذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد, قال الله تعالى: {لا إله إلا الله العظيم الحليم } هذا دعاء الكرب الذي أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي لكل مسلم إذا أصابته كربة أن يلجأ إلى الحي القيوم, مفرج الكربات, ومغيث اللهفات, وقاضي الحاجات, ومغني الفاقات, إله الأولين والآخرين, الذي إذا قال للشيء: كن فيكون. نبينا محمد صلى الله عليه وسلم علَّمنا دعاء الكرب، قال: {إذا أصاب أحدكم الكرب فليقل: لا إله إلا الله العظيم الحليم, لا إله إلا الله رب العرش العظيم, لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم } فإذا أصاب الإنسان كرب ودعا بهذا الذكر العظيم فإن الله يفرج له الله جل وعلا يفيدي سيدنا إسماعيل بذبح عظيم لما امتثل أبونا إبراهيم عليه السلام طاعة الله (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ )الصافات:103 ألقاه على وجهه ليذبحه، قال بعض المفسرين: أراد أن يذبحه من قفاه؛ لئلا يشاهده في حال ذبحه, ثم تأخذه رحمة الأب بابنه, وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، وبقي طرف جنبه لاصق بالأرض, وسمّى إبراهيم، وكبِّر وتشهد الولد للموت, وجعل إبراهيم يمر السكين على حلق إسماعيل, فلم تقطع شيئاً، يقول بعض المفسرين: جعل الله بين السكين والحلق نحاس، أو جعل الله قدرته القادر على كل شيء ألا تضره السكين، فعند ذلك نودي من قبل الله: ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا )الصافات:104-105 ارفع ابنك عن الأرض, وارفع السكين عن إسماعيل, فقد حصل المقصود من اختبارك يا إبراهيم, وحصلت طاعتك لرب العالمين, ورأينا مبادرتك لربك يا إبراهيم (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) الصافات:106- أي: الاختبار الظاهر، ثم قال رب العزة والجلال: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) الصافات:107- أي: جعلنا فداء ذبح ولده إسماعيل ما يسره الله تعالى من العوض وهو كبش أبيض أعلم, أي: عظيم سواد العين أقرن، قال ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه : - كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً - فإبراهيم عليه السلام لطاعته لله، وامتثال أوامره، سمَّاه الله عز وجلَّ: أمة؛ فقال جلَّ من قائل عليماً:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل:120 وكذلك يبعثه الله تعالى يوم القيامة أمة واحدة. فاتقوا الله -يا عباد الله!- واشكروا الله على نعمة الإسلام, واشكروه على ما أنعم عليكم من هذه النعمة العظيمة أن جعلكم من خير أمة أخرجت للناس, وجعلكم من الأمة الإسلامية التي بعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم.
| |
|